سجناء تركيا و الفيلم
أمد للإعلام -

مر وقت طويل على حدث الانقلاب الفاشل فى تركيا و رغم ما أكتنفه من غموض و ما تبعه من تصفية جسدية و حملات ايقاف و تعذيب و قطع أرزاق اضافة طبعا لكثير من الشكوك الموضوعية حول حقيقة ما وقع أصلا و اتهام بعض المتابعين فى تركيا و فى العالم النظام التركى بقيادة الرئيس رجب طيب أوردغان بان الانقلاب كان حدثا وهميا رتبه الحزب الحاكم لتمكين رئيس البلاد من اجراء التعديلات الدستورية التى تضعه و تضع تصرفاته فوق المساءلة الدستورية القانونية بما يجعل منه الحاكم الوحيد المتفرد بالسلطة و القرار و القادر على ضرب المعارضة و التخلص من خصومه السياسيين بجرة قلم ، ربما تشكك البعض فى الرواية القائلة بأن هذا الانقلاب كان مجرد انقلاب وهمى و لكن العارفين بقوة و قدرة المخابرات التركية و بالدولة العميقة كانوا يدركون أن الحزب الحاكم كان قادرا على هذه المسرحية الدموية الرهيبة و أنه قد كان مستعدا للتضحية بأرواح الابرياء من اجل السيطرة المطلقة و التامة على الحكم خاصة فى ظل تصاعد اصوات المعارضة و حصول تفجيرات ارهابية مزعجة و تنامى الاصوات المطالبة بتعديل الكفة و الايفاء بالوعود للاكراد و من بينها اطلاق سراح الزعيم عبد الله اوجلان .

ربما لم يتحدث البعض عن الاعداد الرهيبة من المعارضين الذين نكل بهم رجب اوردغان بعد الانقلاب الفاشل ، الارقام التى تتحدث عن اعداد الموقوفين و القتلى و الجرحى و المفقودين نتيجة سياسة الاعتقالات و التعسف البوليسية التى انتهجتها المخابرات و مخابرات الجيش تؤكد ان العدد مزعج فعلا و قد طال كل المؤسسات و الجامـــــعات و الادارات و القوات الامنية و العسكرية اضافة الى عمليات ترويع و اعتقال على الهوية لم تعرف تركيا لها مثيلا حتى فى تاريخ حكم العسكر ، هناك اليوم اكثر من 200 الف مواطن تركى فى السجون من بينها المئات من الصحفيين و النواب و رجال التعليم و القضاة و المحامون ، هناك حالات فصل عن التدريس طالت الالاف من المدرسين فى كبرى الجامعات التركية و هناك ما يناهز 6 آلاف طبيب مفصول و معتقل و على وشك المحاكمة ، هذا ما يؤدى طبعا و بالنتيجة الى حالة غليان و احباط لدى المواطن التركى على المدى القصير و حالة كراهية لحكم الاخوان و سلطة النظام الحاكم على المدى الطويل لان المعتقلين لهم عائلات تتحمل وزر هذه الايقافات المرعبة و المحاكمات الاستبدادية الظالمة و هى التى سيأتى دورها لمحاسبة النظام .
ما يثير الانتباه فى تركيا اصرار النظام على الحديث عن الديمقراطية و حقوق الانسان و اتهام بعض الجهات الخارجية بتدبير الانقلاب بمساعدة المعارض الكبير فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة الامريكية بعد التهديدات المزعجة و الصريحة بالقتل التى وصلته من القيادة التركية مباشرة و على لسان الرئيس اوردغان نفسه ، هذا التصرف يشبه الى حد كبير تصرفات حكام السعودية رغم كل علامات فشل سياستهم الخارجية و الداخلية و لكن المثير أن يعمد النظام الفاسد الى عملية تلميع و تبييض صورة و الايحاء الى احد المنتجين السينمائيين بإنتاج فيلم اسمه " النهضة " يروى قصة الانقلاب الفاشل من وجهة نظر حكومية تماما كما تفعل قناة الجزيرة و بعض قنوات الانظمة العربية اياها ، طبعا جاء الفيلم كما ارادته رؤوس السلطة التركية و استعملت الحبكة لجلب التعاطف مع الرئيس و مع عائلته بالذات بل كان الفيلم عبارة عن جزء دعائى ثانى بعد فيلم " الرئيس " لنفس المخرج و الذى اطنب فيه مدح هذا الدكتاتور الارهابى الذى دمر سوريا و هدد قيادات العراق دون ذرة خجل ، بالنتيجة فشل الفيلم الاول و الثانى فى خدمة الصورة المتهرئة لكبير الاخوان و ضاعت ميزانيتهما فى جيوب الفاسدين الذين لا يختلفون عن ابن الرئيس المتهم بالرشوة و استغلال النفوذ .
اليوم تقف تركيا بكم هائل من المشاكل الداخلية و الخارجية فالفشل المعلن فى سوريا لسياستها الارهابية ستكون له انعكاسات مرعبة فى السنوات المقبلة و حلم اوردغان بل وعده بالصلاة فى المسجد الاموى سيبقى مجرد اوهام عثمانية سقيمة ، حالة الانهيار النفسى لدى الرئيس و حالات الاغماء و الانتكاسات الصحية المتواصلة باتت معلنة وواضحة لتؤكد ما يعانيه الرجل من احباط و اهتزاز و تدنى الشعبية ، و بعد سنوات من الحرب الارهابية الضروس شاهد العالم شعبية الرئيس السورى و صلابة الرئيس الايرانى لكنه شاهد ايضا حرب العداوة بين اوردغان و كثير من رؤساء العالم يضاف الى ذلك ما تشهده تركيا من انهيار اقتصادى و تصدع اجتماعى نتيجة تغول السلطة البوليسية و حالات القمع التى تواجه المعارضة بكل عناوينها و لذلك تتحدث وسائل الاعلام اليوم عن كون تركيا قد اصبحت سجنا كبيرا لكل الشعب التركى الرافض لحكم الاخوان .
ما يحدث فى تركيا اليوم لا يكفى فيلم " النهضة " لتغيير حقيقته و لا تكفى اباطيل الرئيس لتزييفه فهناك حملة غربية تسعى لإجهاض التجربة التركية المدمرة للمنطقة رغم ان الولايات المتحدة هى من دفعت تركيا الى المشاركة فى المؤامرة على سوريا و هناك ارتداد للمجموعات الارهابية المتقهقرة على الوضع التركى رغم يقظة المخابرات التركية و هناك ارتفاع منسوب كراهية غير مسبوق داخل الوجدان الشعبى التركى الذى يرفض الاعتقالات العشوائية التى طالت كل الفئات بدون مبرر و هناك كماشة ايرانية سورية ستضع الاقتصاد التركى لاحقا فى مهب الريح ، ربما لن يعطى الانقلاب القادم المنتظر أى إخطار قبل قدومه لكن الثابت ان الاعصار قادم و أن أزمة الثقة بين الحكم و الشعب قائمة و أن الذين يقبعون فى السجون بدون مبرر سيكونون المحرك الاساسى للمشاعر الرافضة لهذا النظام الدموى فمن المتعارف فى التاريخ السياسى أن الانظمة لا يمكنها قمع ارادة الشعوب الى الابد و أن الاستبداد هى النار التى ستلتهم ابواب السجون و تفتحها امام المعارضين .
كان لافتا قول مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للشؤون الاقتصادية خلال لقاء تلفزيوني ، إن المملكة العربية السعودية بحاجة إلى "ربيع". ، هذا التصريح دفع وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية ان تجاهر بآن العلاقات السعودية – التركية بدأت تشهد توترا بسبب اختلاف سياساتهما بشدة تجاه قطر ، التي تواجه عُزلة من دول الجوار الخليجي ومصر منذ أسبوعين ، واعتبر المحلل السياسي السعودي خالد باطرفي تصريح المستشار التركي كفرُ وجحود بكل ما قدمته المملكة لدعم تركيا في مواجهة الإرهاب على سبيل المثال ، ومشاركة السعودية في قاعدة أنجرليك لمواجهة أعداء تركيا والعالم ، هذا التصريح يأتى بعد تصريح اخر لرئيس تركيا يتهجم فيه على الوهابية مما اثار عاصفة من الردود الاعلامية المنددة ، طبعا هذا يزيد من عزلة تركيا على الصعيد الخليجى خاصة و أن مواقفها المنحازة لقطر تجد رفضا غاضبا من القيادة السعودية الجديدة و تعتبرها تدخلا سافرا فى الشأن الخليجى لن يمر بسهولة ، ليبقى السؤال ، هل تحول العقل التركى من سياسة الصفر مشاكل الى البحث عن كم من المشاكل مع كل دول الجوار و هل أن هذا الامر هو عنوان افلاس السياسة التركية المعلن .



إقرأ المزيد