وفاة خالد الجبور.. شاعر العصافير رحل وترك للأطفال نصيباً من ذاكرة فلسطين
شبكة راية الإعلامية -

غيب الموت الأديب والشاعر والقاص الفلسطيني خالد الجبور، بعد مسيرة أدبية امتدت في فضاء الثقافة الفلسطينية، وأسهم خلالها في كتابة نصوص جمعت بين الشعر والقصة، وخصّت أدب الأطفال بجانب بارز من تجربته الإبداعية، تاركاً وراءه أعمالاً استحقت الحضور في المشهد الأدبي الفلسطيني والعربي.

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الجبور، معربة عن بالغ حزنها لرحيله، ومستذكرة عطاءه الأدبي وإسهامه في إثراء المشهد الثقافي الفلسطيني، خصوصاً في مجال الكتابة للأطفال، الذي ظل واحداً من أكثر الحقول الأدبية حاجة إلى حساسية خاصة في اللغة والصورة والخيال.

وقالت الوزارة في بيان النعي إن الجبور ترك "أثراً إبداعياً جديراً بالذكر"، مشيرة إلى عدد من أعماله، من بينها كتاب "أغنيات العصافير"، و"قرون الكباش"، الذي نال جائزة الشيخة فاطمة بنت هزاع، كما تُرجم إلى اللغة الإنجليزية، في مؤشر على حضور تجربته خارج نطاق التلقي المحلي.
 

شاعر وقاص.. واهتمام خاص بعالم الطفل


لم يكن حضور خالد الجبور الأدبي محصوراً في جنس أدبي واحد؛ فقد كتب الشعر والقصة، ووجد في أدب الأطفال مساحة رحبة للتعبير عن عالم تتقاطع فيه البراءة مع الذاكرة والخيال والانتماء.

وتكتسب الكتابة للأطفال في السياق الفلسطيني خصوصية مضاعفة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد إنتاج نصوص موجهة إلى الناشئة، وإنما بمحاولة بناء علاقة مبكرة بين الطفل واللغة والخيال والبيئة والذاكرة. ومن هذه الزاوية، يأتي اهتمام الجبور بهذا الحقل جزءاً من المشهد الأوسع للأدب الفلسطيني الذي ظل، في تجارب متعددة، معنياً بحماية الذاكرة وإعادة صياغة المكان والإنسان في اللغة.

وفي عنوان مثل "أغنيات العصافير" تبدو مفردات الطبيعة والطفولة حاضرة في بناء عالم أدبي يستند إلى الإيقاع والصورة، فيما يفتح "قرون الكباش" باباً آخر للقراءة، خصوصاً بعد حصوله على جائزة أدبية وترجمة العمل إلى الإنجليزية، بما أتاح للنص الوصول إلى قراء خارج البيئة العربية.
 

"قرون الكباش".. نص يعبر إلى لغة أخرى


يمثل حصول "قرون الكباش" على جائزة الشيخة فاطمة بنت هزاع محطة بارزة في مسيرة الجبور، إذ تعكس الجائزة تقديراً للعمل ضمن فضاء الكتابة الموجهة إلى الطفل، بينما تمنح الترجمة إلى الإنجليزية النص فرصة للعبور من محيطه اللغوي والثقافي الأول إلى فضاء قراءة أوسع.

والترجمة في أدب الأطفال ليست انتقالاً لغوياً محضاً؛ فالنص الموجه إلى الطفل يقوم في جانب كبير منه على الإيقاع والصورة والرمز والبناء الحكائي، وهي عناصر تتطلب حساسية خاصة عند نقلها من لغة إلى أخرى. ومن ثم، فإن وصول أحد أعمال الجبور إلى الإنجليزية يضيف بعداً آخر إلى تجربته، ويشير إلى قابلية بعض نصوص الأدب الفلسطيني الموجه للطفل لأن تخاطب قارئاً يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
 

الأدب الفلسطيني.. ذاكرة تتجدد في نصوص الأطفال


في المشهد الثقافي الفلسطيني، لم يكن أدب الأطفال هامشاً منفصلاً عن القضايا الكبرى التي شغلت الأدب الفلسطيني، بل كان أحد مسارات إعادة تشكيل العلاقة بين الأجيال الجديدة واللغة والمكان والذاكرة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تجربة خالد الجبور بوصفها جزءاً من جيل من الكتاب الذين تعاملوا مع الطفل باعتباره قارئاً له عالمه الجمالي الخاص، لا مجرد متلقٍ لنصوص تعليمية أو مباشرة. فالقصة والشعر الموجهان إليه يحتاجان إلى لغة قادرة على الجمع بين البساطة والعمق، وبين المتعة والقدرة على إثارة الأسئلة، وهو ما يجعل الكتابة للأطفال اختباراً حقيقياً لقدرة الأديب على الاقتصاد في العبارة وتكثيف الصورة.

ولعل حضور الطبيعة والكائنات والصور المستمدة من الحياة اليومية في عناوين أعماله يعكس هذا الانفتاح على عالم الطفل، حيث تتحول الأشياء المألوفة إلى مادة للخيال والحكاية، ويصبح الحيوان والطير والطبيعة مدخلاً إلى بناء عالم رمزي قابل للقراءة على أكثر من مستوى.
 

رحيل أديب.. وبقاء النص


برحيل خالد الجبور، تفقد الثقافة الفلسطينية شاعراً وقاصاً ارتبط اسمه، في جانب مهم من تجربته، بأدب الأطفال، إلا أن غياب الكاتب لا يعني بالضرورة غياب أثره. فالأعمال الأدبية تواصل حياتها بعد أصحابها من خلال القراءة وإعادة الاكتشاف والترجمة، وتصبح الكتب التي تركها الكاتب بمثابة المساحة التي يستمر فيها حضوره بين الأجيال.

وقد تقدمت وزارة الثقافة الفلسطينية بالتعازي إلى أسرة الراحل وذويه وأهله في مدينة يطا، وإلى الأسرة الثقافية والأدبية الفلسطينية، مستذكرة عطاءه وحضوره في المشهد الثقافي.

وهكذا يطوي خالد الجبور رحلته في الحياة، لكن عناوين مثل "أغنيات العصافير" و"قرون الكباش" تظل شاهدة على تجربة اختارت أن تترك للطفولة مكاناً في الأدب، وأن تجعل من الكلمة جسراً بين الخيال والذاكرة، وبين الكاتب وقارئه الصغير.



إقرأ المزيد