«اقتصاد القدس الشرقية بعد “الطوفان”: أسرلة وانسداد تنموي وصمود مكلف»
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير قليبو

مقدمة: من اقتصاد مقيد إلى اقتصاد محتجز

شهد الشطر الشرقي من القدس خلال سنتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ تحوّلاً اقتصادياً نوعياً لا يمكن اختزاله في إطار الركود الدوري أو التداعيات الموقتة للحرب على غزة في أواخر سنة ٢٠٢٣. فالمدينة، التي عاشت عقوداً تحت منظومة قيود احتلالية مزمنة، دخلت خلال هذه الفترة مرحلة أكثر عمقاً يمكن توصيفها بدقة بـ "الانسداد التنموي"، إذ تعطلت محركات النمو المحدودة أصلاً، وتعمقت التتبعية البنيوية، وتسارعت عملية الأسرلة الاقتصادية بصفتها المسار شبه الوحيد المتاح لسبل العيش.

لا تحيل الأسرلة الاقتصادية في القدس إلى اندماج طوعي في سوق متكافئة، بل إلى إعادة تشكيل قسري لشروط العمل والإنتاج والاستهلاك بحيث تصبح السوق الإسرائيلية الإطار الحاكم - وأحياناً الوحيد - لتوليد الدخل، في مقابل تأكل مستمر للقطاعات الفلسطينية المحلية داخل المدينة. ومع صدمة حرب ٢٠٢٣ - ٢٠٢٥، لم يعد الاقتصاد المقدسي اقتصاداً قادراً على "البقاء" فقط، بل أصبح يعمل بلا قدرة على التراكم.

يتميز الشطر الشرقي من القدس من سائر الجغرافيا الفلسطينية بكونه مدينة بلا سيادة اقتصادية، تعمل ضمن منظومة قانونية - إدارية مزدوجة تخضع للضرائب والتخطيط الإسرائيلي، بينما تُحرم أدوات السياسة الاقتصادية الوطنية الفلسطينية. وهذه الازدواجية أنتجت على مدى عقود اقتصاداً هشاً، ومع الحرب تحوّل الهش إلى محتجز.

١ - الاستنزاف الهيكلي: الضرائب والتخطيط سلاح اقتصادي

يشكل الاستنزاف الهيكلي الإطار الذي تعمل ضمنه سائر القطاعات. فخلال الفترة ٢٠٢٤ - ٢٠٢٥، لم تكن الأزمة الاقتصادية ناتجة فقط من الحرب، بل من تراكم طويل لسياسات ضريبية وتخطيطية جعلت النشاط الاقتصادي الفلسطيني عالي التكلفة ومنخفض الجدوى.

وتعد ضريبة الأرنونا (ضريبة المسقفات التي تفرضها بلدية الاحتلال) العبء الأكثر ثباتاً، إذ تُفرض كتكلفة ثابتة لا ترتبط بالدخل. ومع تراجع النشاط التجاري والسياحي، تضاعف أثرها النسبي، بينما ظلت الالتزامات على حالها، لأن ضعف التحصيل في الأحياء الفلسطينية لا يعود إلى التهرب بل إلى العجز البنيوي عن الدفع، وهو ما أدى إلى تراكم ديون وأوامر حجز وإغلاقات طالت محالاً تاريخية ومهناً حرة. اقتصادياً، تعمل الأرنونا كآلية تطهير اقتصادي طبقي تقصي المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتبقي فقط القادرين على تحمل العبء، أو العاملين في الاقتصاد غير الرسمي.

ويتعزز هذا المسار عبر قيود التخطيط الحضري، وندرة تراخيص البناء للفلسطينيين، الأمر الذي يرفع تكلفة الإيجار، ويمنع التوسع التجاري.

٢ - سوق العمل والدخل: اندماج قسري بلا أمان

بحلول مطلع سنة ٢٠٢٤، وصفت جمعية "معاً" العمالية واقع التشغيل في الشطر الشرقي من القدس بأنه أزمة تشغيل شديدة، إذ ارتفعت البطالة بين الفلسطينيين بنسبة ٧,٦% بعد الحرب، في مقابل ٤% في غرب القدس، وذلك في مؤشر واضح إلى تمييز بنيوي. وإلى جانب فقدان الوظائف، شكّلت القيود على الحركة، وخصوصاً من أحياء خلف جدار الفصل العنصري مثل كفر عقب ومخيم شعفاط، عائقاً فعلياً أمام الوصول إلى أماكن العمل، على الرغم من عدم الحاجة إلى تصاريح كسائر عمال الضفة الغربية، الأمر الذي خلق بطالة قسرية مقنعة.

ويتميز العامل المقدسي بحمله الإقامة الدائمة التي تتيح العمل في إسرائيل من دون الحاجة إلى تصريح. وخلال سنة ٢٠٢٤ / ٢٠٢٥، راكم المقدسيون مهارات مهنية متعددة وإتقاناً واضحاً للعبرية، مكناهم من دخول قطاعات اقتصادية أوسع، تجاوزت قطاع البناء والخدمات إلى قطاعات الصناعة والنقل والمهن التقنية. غير أن هذا الاندماج ظل هشاً، ومرتبطاً بقانون "مركز الحياة"، وبسياسات لا يملكون السيطرة عليها.

ومع تقلص المشاريع الفلسطينية داخل المدينة بسبب سياسات الاحتلال منذ سنة ١٩٦٧ المقيدة بشدة للنمو الاقتصادي المقدسي، وبروز مراكز اقتصادية مثل رام الله وبيت لحم بديلة من القدس جذبت جزءاً مهماً من رأس المال المقدسي، تعمقت التبعية المقدسية للسوق الإسرائيلية بصفتها الخيار شبه الوحيد لسبل العيش لأكثر من ٣١١,٠٠٠ مقدسي. وبحلول أواخر سنة ٢٠٢٥، ظهرت مؤشرات واضحة إلى محاولة استبدال العمالة الفلسطينية بعمالة مهاجرة من دول آسيوية في قطاعات كالفنادق، الأمر الذي يهدد موقع المقدسيين حتى داخل السوق التي يعتمدون عليها.

٣ - التمويل والبنوك والعملات: دخل بلا سيادة

تخضع القدس لهيمنة شبه كاملة للشيكل (النقد الإسرائيلي)، مع استخدام محدود للدولار والدينار في الادخار وبعض المعاملات مثل أجور المساكن. وخلال سنتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، أدى تذبذب سعر الصرف إلى تأكل القوة الشرائية من دون انخفاض في تكلفة المعيشة، وهو ما عمق بشكل جلي الفجوة بين الأجور والأسعار.

كما تعتمد الأسر والتجار في القدس على البنوك الإسرائيلية التي تقدم خدمات تقنية متطورة، لكنها لا تعمل كأدوات تنمية. فالقروض التجارية مشروطة بضمانات يصعب توفيرها، وهو ما عزز الاعتماد على القروض الاستهلاكية القصيرة لتغطية المعيشة لا للاستثمار. إن غياب المؤسسات المالية الفلسطينية داخل القدس، دفع رأس المال المقدسي إلى هجرة مالية نحو رام الله وغيرها من مدن الضفة الغربية وأريافها، وحوّل الادخار إلى آلية دفاع لا استثمار، بينما أصبح الدين الاستهلاكي أداة ضبط اجتماعية تبقي الأفراد في سوق العمل مهما تكن شروطها.

٤ - السياحة: من مصادرة العائد إلى الانهيار

شكل قطاع السياحة تاريخياً نحو ٤٠٪ من دخل القدس الشرقية. إلا إن سنتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ شهدتا انهياراً شبه كامل لهذا القطاع مع غياب السياح الأجانب بسبب الحروب، وقد سبق ذلك غيابهم بسبب جائحة كورونا. وبذلك، تراجعت نسب إشغال الفنادق الكبرى إلى نحو ٥٨٪ في منتصف سنة ٢٠٢٥، بينما عانت الفنادق الفلسطينية الصغيرة جراء الإغلاقات والتسريح الواسع. ففي البلدة القديمة، قدّر معهد (MAS) توقف نحو ٨٠٪ من المنشآت كلياً أو جزئياً خلال سنة ٢٠٢٤، وهو ما أحدث جموداً حضرياً واجتماعياً.

وحتى عند عودة نشاط سياحي محدود بعد جائحة كورونا، أو حتى في أثناء الحروب الأخيرة، ظل العائد الاقتصادي الفلسطيني هامشياً بسبب احتكار شركات إسرائيلية سلسلة القيمة السياحية والرواية، وذلك من خلال التسويق والحجوزات وصولاً إلى الإقامة والأدلاء السياحيين. وبصورة عامة ظلت المبادرات الفلسطينية البديلة فردية ومحدودة الأثر، ومن دون دعم مؤسساتي.

٥ - الإسكان: التهجير الاقتصادي البطيء

تحول السكن إلى الجبهة الأخطر في الأزمة، فالقيود على التراخيص وندرة العرض رفعت إيجارات السكن إلى مستويات تستهلك ٦٠ - ٧٠٪ من دخل الأسرة المقدسية خلال سنتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥. وهذا الضغط الاقتصادي الكبير دفع كثيراً من العائلات المحدودة الدخل إلى الخروج إلى أطراف المدينة وحتى خارج جدار الفصل العنصري، على الرغم من تدهور الخدمات فيهما، وتعرُّض من يسكن فيهما لخطر فقدان "مركز الحياة".

وفي حالات محدودة لا يُعرف عددها حتى الآن، ظهر خيار السكن حتى في المستعمرات اليهودية التي شيدت في القدس بعد سنة ١٩٦٧، لأنها في حقيقة الأمر أقل تكلفة من الأحياء الفلسطينية، وهي مفارقة تكشف كيف تخدم السوق المختلة أهدافاً ديموغرافية بعيدة المدى.

٦ - شبكات الأمان الاجتماعي: الفقر والصحة والتعليم

اعتمدت شريحة واسعة من الأسر على مخصصات التأمين الوطني الإسرائيلي بصفتها شبكة أمان حاسمة، لكنها مشروطة بإثبات مكان السكن في حدود بلدية القدس. وهذا الشرط حوّل الدعم إلى أداة ضبط لكثيرين من المقادسة تقيد خياراتهم الاقتصادية والاجتماعية.

وتظهر البيانات المنشورة أن ٤١٪ من عائلات القدس تعيش تحت خط الفقر، وذلك مقارنة بنحو ٢٠٪ في سائر البلد. وخلال سنتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، انتقل الفقر إلى مرحلة جديدة تشكل فيها أمن غذائي حاد، وذلك مع تراجع الاستهلاك، بحيث عجز أكثر من ٧٠٪ من السكان من متلقي المساعدات عن تحمل تكلفة العلاج، كما أن ٢٧٪ منهم تلقوا إنذارات بفصل الكهرباء.

ويخضع معظم المقدسيين لصناديق الرعاية الصحية الإسرائيلية (كوبات حوليم) بشرط استيفاء شروط التأمين، بينما يُقصى العاجزون عن إثبات السكن. وإلى جانب ذلك، أدى إغلاق عيادات ومكاتب ومدارس الأونروا بقرار حكومي إسرائيلي، إلى تحويل المرضى والطلاب قسراً إلى منظومة الصحة والتعليم الإسرائيلية، وذلك ضمن مسار واضح لأسرلة مؤسسات الخدمات الأساسية، علاوة على التخلص من البعد الدولي للقضية الفلسطينية.

الخاتمة: صمود حي من دون استدامة

تكشف تجربة القدس الشرقية خلال سنتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ عن اقتصاد يعمل كثيراً ويراكم قليلاً. فالصمود يستند إلى المهارات البشرية والامتدادات الإقليمية وشبكات الأمان، لكنه مكلف وغير مستدام. وتشير التوقعات إلى تعاف هامشي في بدايات سنة ٢٠٢٦، مقارنة بالسنة الكارثية التي سبقتها، وهذا التعافي لم ينتج من إصلاح بنيوي حقيقي.

بهذا، ومن دون معالجة جذور الاستنزاف؛ الضرائب، والتخطيط، واحتكار السوق والرواية، وربط الحقوق الاجتماعية بآليات الضبط، فإن القدس ستظل مدينة حيّة من دون سيادة اقتصادية.

وفي ضوء ما سبق، يعكس اقتصاد القدس الشرقية نموذجاً يرتكز على الاستهلاك المدعوم في مقابل ضعف الإنتاج، وتقييد الحركة، وغياب المؤسسات الفاعلة، والتجزؤ النقدي، وهو ما يؤدي إلى حالة من التعافي المؤجل. وتكشف التجربة عن اقتصاد يعمل كثيراً ويراكم قليلاً، فالصمود قائم لكنه مكلف وغير مستدام. ومن دون معالجة جذور الاستنزاف؛ الضرائب والتخطيط، واحتكار السوق، والقيود المؤسساتية، وربط الحقوق الاجتماعية بآليات الضبط، فإن القدس ستظل مدينة حيّة اقتصادياً، لكن بلا قدرة على تحقيق تنمية مستقلة.

المصادر

١. Palestinian Economy and Community in Jerusalem Facing Israeli Occupation Mounting Violations, Gaza War Economy Brief Number 9 (Palestine Economic Policy Research Institute/MAS), 4 January 2024, https://mas.ps/cached_uploads/download/2024/01/04/gaza-war-brief9-eng-1704378612.pdf

٢. Ibid.

٣. Palestine Economic Update June 2025, Palestine Economic Policy Research Institute/MAS, June 2025, https://mas.ps/en/publications/12800.html

٤. Labor Market Conditions in East Jerusalem: Reality & Challenges, MA'AN Development Center, 2024.

٥. كتاب القدس الإحصائي السنوي ٢٠٢٤، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني / دولة فلسطين، حزيران / يونيو ٢٠٢٤، في الرابط الإلكتروني التالي: https://www.pcbs.gov.ps/downloads/book2702.pdf

٦. Annual Operational Report 2024, UNRWA, 15 July 2025, https://www.unrwa.org/sites/default/files/content/resources/aor_2024-_v9_compressed.pdf

٧. Labor Market Conditions in East Jerusalem..., op. cit.

٨. Ibid.; Annual Operational Report 2024, op. cit.

٩. Palestinian Economy and Community in Jerusalem..., op. cit.

(هامش: على المقدسي، حفاظاً على حق إقامته في القدس، إثبات أنه يسكن في حدود بلدية القدس الإسرائيلية، وأنه يمضي أغلبية العام ضمن هذه الحدود، وإلا فقد حقه في الإقامة في المدينة وحرية حركته).

١٠. Palestine Economic Update June 2025, op. cit.

١١. على الرغم من صعوبة تقدير عدد سكان القدس من الفلسطينيين، فإن هناك شبه إجماع بين أصحاب الاختصاص على أنه تجاوز ٤٠٠,٠٠٠ نسمة. يُنظر: كتاب القدس الإحصائي السنوي ٢٠٢٤، مصدر سبق ذكره.

١٢. Labour Shifts and Substitution Trends in the Palestinian Labor Market, MA'AN Development Center, 2025.

١٣. كتاب القدس الإحصائي السنوي ٢٠٢٤، مصدر سبق ذكره.

١٤. Palestine Economic Update June 2025, op. cit.

١٥. Palestinian Economy and Community in Jerusalem..., op. cit.

١٦. Palestine Economic Update June 2025, op. cit.

١٧. Ibid.

١٨. Palestinian Economy and Community in Jerusalem..., op. cit.; Annual Operational Report 2024, op. cit.

١٩. Palestine Economic Update June 2025, op. cit.

٢٠. كتاب القدس الإحصائي السنوي ٢٠٢٤، مصدر سبق ذكره.

٢١. Annual Operational Report 2024, op. cit.

٢٢. Palestine Economic Update June 2025, op. cit.

٢٣. Ibid.

٢٤. The Alternative Poverty Report 2024 (Tel Aviv: LATET Organization, 16 November 2024).

٢٥. Annual Operational Report 2024, op. cit.

٢٦. Palestine Economic Update June 2025, op. cit.

(حوليات القدس: أصدرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة ٢٠٠٣ دورية عن القدس باللغة العربية بعنوان "حوليات القدس" التي توقفت عن الصدور سنة ٢٠١٤).

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد